ملا محمد مهدي النراقي

277

جامع السعادات

بالتسخير والانقياد ينقطع بالموت ، فمن ظن ذلك كمالا فقد جهل . فالخلق كلهم في غمرة هذا الجهل ، فإنهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة ، وعلى أعيان الأموال بسعة الغنى ، وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه كمال . ولما اعتقدوا كون ذلك كمالا أحبوه ، ولما أحبوه طلبوه ، ولما طلبوه شغلوا به وتهالكوا عليه ، فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من الله ، أعني العلم والحرية كما يأتي . فهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، فلا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون ، وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا ، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا " ( 19 ) . فالعلم والحرية وفضائل الأخلاق هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا للنفس بعد خراب البدن ، والمال والجاه هو الذي ينقضي على القرب ، وهو كما مثله الله تعالى ، حيث قال : " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض . . . " ( 20 ) . وكل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا ، وكل ما لا يقطعه الموت فهو من الباقيات الصالحات . فقد ظهر أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال وهي لا أصل له ، وإن من قصر الوقت على طلبه وظنه مقصودا فهو جاهل ، إلا قدر البلغة منها إلى الكمال الحقيقي . وأما العلم ، فلا ريب في كون ما هو حقيقة العلم كمالا حقيقيا ، إذ الكمال الحقيقي هو الذي يقرب من يتصف به من الله ويبقى كمالا للنفس بعد الموت . ولا شك في أن العلم بالله وبصفاته وأفعاله وحكمته في ملكوت السماوات والأرض وترتيب الدنيا والآخرة وما يتعلق به هو المقرب للعبد

--> ( 19 ) الكهف ، الآية : 47 ( 20 ) يونس ، الآية : 24